من تراثنا الجميل

قال محمد بن حارث: أخبرني بعض العلماء قال: قدم موسى بن حدير عن الحج وكان في الغاية من النبالة، ودعاه الأمير عبد الرحمن -أمير الأندلس- إلى الخدمة، فأبى عليه، ولزم الانقباض، فبلي بعد مديدة بامرأة من جيرانه استعدت عليه القاضي إبراهيم بن العباس -من ذرية الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي- وذكرت أنه ظلمها في دار لها تلاصقه. فأرسل فيه إبراهيم وأحضره إلى مجلسه، ووقفه على دعوى المرأة، واقتضى جوابه. فقال له: أوكل – أعزك الله – عندك من يخاصمها عني. فقال: لا بد لك أن تقول بما عندك من إقرار أو إنكار، ثم توكل بعد ذلك على خصومتك من تشاء. فقال موسى: لا، بل أذاكر نفسي، وأقدم من يجاوب عني بما أحققه من أمرها. فأبى إبراهيم أن يقبل منه، واضطره إلى تعجيل جوابه في مجلسه، واشتد عليه. فلما لم يجد من الجواب بداً، وقد حمى والتظى، قال: أو خير من ذلك – أصلحك الله – ؟ أقول إن جميع ما تدعيه هذه المرأة حق، وهي في دعواها مصدقه لا اعتراض عندي عليها. فلا سبيل لك إلي! فقام وهو قد احتمل على إبراهيم حقداً عظيماً حمله على أن سعى عليه، وأرهف حيلته لمطالبته. وابتدأ فكتب إلى الأمير عبد الرحمن يذكر له أنه تعقب رد أمره فيما كان أراده عليه من معاوده العمل، ورأى أنه قدح في صدق طاعته، وفريضة ولائه، وسأله تقليد الخزانة التي كانت مضمار أمانته، فأعجب الأمير ذلك من اعترافه، وولاه الخزانة، فتصرف فيها تصرفاً أدناه منه، فأنبسط إليه في غير شيء، ثم سأله في بعض الأيام الخلوة له يذكره، فأجابه إليها، فقال له: صح عندي أن القاضي إبراهيم بن العباس يُخاطب في مجلس نظره بأن يقال له: يا بن الخلائف وأن له اسماً يصغي قلوب العامة إليه! فلم يتملك الأمير عبد الرحمن حين وقرت الكلمة أذنه أن عزل إبراهيم.
مشاركة الموضوع:

اترك تعليقاً